سيد محمد طنطاوي
456
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقيل المراد بالإنسان هنا : أبو جهل ، وأن هذه الآيات وما بعدها حتى آخر السورة قد نزلت في أبى جهل ، فقد أخرج البخاري عن ابن عباس قال : قال أبو جهل : لئن رأيت محمدا يصلى عند الكعبة ، لأطأن على عنقه ، فبلغ ذلك النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال : « لئن فعل لأخذته الملائكة » . . « 1 » . ونزول هذه الآيات في شأن أبى جهل لا يمنع عموم حكمها ، ويدخل في هذا الحكم دخولا أوليا أبو جهل ، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . وقوله - تعالى - : إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى تهديد ووعيد لهذا الطاغي ، والرّجعى : مصدر بمعنى الرجوع . تقول : رجع إليه رجوعا ومرجعا ورجعي بمعنى واحد . والمعنى : لا تحزن - أيها الرسول الكريم - مما تفوه به هذا الطاغي وأمثاله ، فإن إلى ربك وحده مرجعهم ، وسيشاهدون بأعينهم ما أعددناه لهم من عذاب مهين ، وسيعلمون حق العلم أن ما يتعاظمون به من مال ، لن يغنى عنهم من عذاب اللَّه شيئا يوم القيامة . ثم عجّب - سبحانه - نبيه صلى اللَّه عليه وسلم من حال هذا الشقي وأمثاله ، فقال : * ( أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى . عَبْداً إِذا صَلَّى ) * . فالاستفهام في قوله - تعالى - : * ( أَرَأَيْتَ . . . ) * للتعجيب من جهالة هذا الطاغي ، وانطماس بصيرته ، حيث نهى عن الخير ، وأمر بالشر ، والمراد بالعبد : رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وتنكيره للتفخيم والتعظيم . أي : أرأيت وعلمت - أيها الرسول الكريم - حالا أعجب وأشنع من حال هذا الطاغي الأحمق ، الذي ينهاك عن إقامة العبادة لربك الذي خلقك وخلقه . وقوله - سبحانه - : * ( أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى ) * خطاب آخر للنبي صلى اللَّه عليه وسلم أي : أرأيت - أيها الرسول الكريم - إن صار هذا الإنسان - الطاغي الكافر - على الهدى ، فاتبع الحق ، ودعا إلى البر والتقوى . . . أما كان ذلك خيرا له من الإصرار على الكفر ، ومن نهيه إياك عن الصلاة ، فجواب الشرط محذوف للعلم به . فالمراد بالهدى : اهتداؤه إلى الصراط المستقيم ، والمراد بالتقوى : صيانة نفسه عن كل ما يغضب اللَّه - تعالى - ، وأمره غيره بذلك . وقوله - تعالى - : * ( أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وتَوَلَّى . أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّه يَرى ) * .
--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ص 7 ص 460 .